الشيخ محمد رشيد رضا
464
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إذا توفى عن امرأته كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه أو ينكحها من شاء فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته أم عبيد نبت ضمرة ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئا فأتت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكرت ذلك له فقال « ارجعي لعل اللّه ينزل فيك شيئا » فنزلت « وَلا تَنْكِحُوا » الآية . ونزلت أيضا « لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً » أي نزلت هذه الآيات عقب وقوع هذه الحادثة وأمثالها وتقدم ذكر القصة بلفظ آخر عند تفسير الآية الأولى وما هي ببعيد . وقال الواحدي وغيره ممن تكلم في أسباب النزول : إنها نزلت في محصن المذكور وفي الأسود بن خلف تزوح امرأة أبيه وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه فاختة بنت الأسود ابن المطلب وفي منظور بن رياب تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة والنكاح هو الزواج وقد تقدم في تفسير ( 2 : 230 فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) إن النكاح له إطلاقان يطلق على عقد الزوجية وعلى ما وراء العقد وما يقصد به ، أي على مجموعهما وهو المراد هناك . وقد صرح الفقهاء بأنه يطلق على العقد وعلى الوطء ، واختلفوا في أي الاطلاقين هو الحقيقي وأيهما المجازى . والظاهر أنه لا يطلق شرعا على الوطء من غير عقد وإنما كمال معناه الشرعي العقد وما وراءه كما قلنا ، وقد يطلق على العقد وحده . قال الأستاذ الامام : وهو الذي تمكن معرفته وتبنى عليه الاحكام في الغالب بخلاف ما قاله الحنفية من أن حقيقته الوطء . ويؤيد ما اختاره الأستاذ تفسير ابن عباسرض ) النكاح هنا بالعقد . فقد روى ابن جرير والبيهقي عنه أنه قال « كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل بها فهي عليك حرام » وروى ذلك عن الحسن وعطاء بن أبي رباح والمراد من الآباء ما يشمل الجدود بالاجماع وقوله تعالى إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ معناه لكن ما سلف من ذلك لا تؤاخذون عليه وقال بعضهم معناه إلا ما قد مات منهن ، ورووه عن أبي كعب وقالوا إن المراد به المبالغة في تأكيد التحريم . وقطع عرق هذه الفاحشة وسد باب إباحتها سدا محكما وهو ليس بظاهر عندي إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا أي إن نكاح حلائل الآباء كان ولا يزال في الفطرة السليمة التي فطر اللّه الناس عليها ، وأيدتها الشريعة